المخابرات السورية

من WikiSuriya

اذهب إلى: تصفح, البحث

محتويات

تاريخ المخابرات في سورية

يعرف البوليس السري السياسي، أو الأجهزة الأمنية الخاصة، بالمخابرات(1) وهي التي تمتد بجذورها إلى عهد الانتداب الفرنسي. إذ كانت، في ذلك الوقت، تتكون من تركيبتي "دائرة الأمن" و"الدعاية" فتدعى: الأجهزة الخاصة، وتمثّل دائرة مخابراتها القوية حجر الزاوية في الإدارة الفرنسية(2). وإذ لا تتعرض هذه الدائرة إلى تقييدات قانونية، فإنها تلجأ إلى الحبس والحجز من دون محاكمة، وتمارس التعذيب والإعدام الكيفي، مؤسِّسة بذلك سوابق بشعة ووحشية لمستقبل ما بعد الاستعمار.

دفع الاضطراب السياسي والتدخل الخارجي مرحلة ما بعد الاستقلال إلى قيام نظام أمن مخابراتي واسع. فبعيد انقلاب حسني الزعيم في العام 1949 المدعوم من المخابرات الأمريكية، عمل القائد العسكري الجديد على (مركزة) الشرطة والدرك تحت إمرة الجيش جاعلاً الأحزاب كلَّها خارجة على القانون، ثم فرض الرقابة على الصحافة، ووسع كثيراً جهاز المخابرات(3). لم يمكث "الزعيم" طويلاً في السلطة إلا أن الذين خلفوه جميعاً - خاصة منهم العقيد أديب الشيشكلي - استمروا على هذه النزعة والاتجاه.

وفي منتصف الخمسينيات تقريباً، وعلى الرغم من عودة سورية إلى الحكم المدني، غدت الاستخبارات العسكرية مؤسسة أمنية شديدة المراس. وقد حصلت المخابرات العسكرية على سمعة تسمها بالقسوة والبطش، وذات النفوذ القوي على حكومة ذلك الوقت عندما كان العقيد عبد الحميد السراج على رأسها. وعندما توحدت سورية مع مصر في العام 1958 جعل الرئيس عبد الناصر السراج وزيراً للداخلية في (الإقليم) السوري مع تحميله مسؤولية تنسيق العمليات الاستخبارية والمخابراتية. وبتذمره وإلقائه اللوم على "الرجعيين" و "الإقليميين" و "الانتهازيين الآخرين" منح السراج أجهزة المخابرات سلطة واسعة لاقتلاع المعارضة - خصوصاً منهم الشيوعيين - وممارسة التعذيب المنظم معهم للمرة الأولى منذ الاستقلال(4).

وبعد مجيء النظام البعثي العسكري وتوليه السلطة في سورية عام 1963 اعتمد هو الآخر على المخابرات لتعزيز حكمه وترسيخ قاعدته. وإبان عهد صلاح جديد في نهاية الستينيات أغرق عبد الكريم الجندي رئيس أجهزة الأمن ورأس مكتب الأمن القومي لحزب البعث.. القطر السوري رعباً وهلعاً بعمليات الاختطاف والتعذيب. وقد وصف الكاتب البريطاني باتريك سيل (ولع الجندي بالقسوة والوحشية) موضحاً النتائج المترتبة على معمودية الرعب المخيف، وهو يقترن بمنصب رئيس الأمن:

"عندما استمع الجندي إلى خبر يقول له: إن عدداً من المحامين والمهنيين الآخرين قد تناولوا اسمه في تجمع خاص ضمّهم بعضاً إلى بعض، تحرّك فوراً لاعتقالهم مجبراً عدداً منهم على الفرار حفاة ومشياً على الأقدام، إلى لبنان، حيث أمضوا حياتهم هنـاك بعيداً عن الأذى حتـى سقـوط الجندي"(5).

وعلى الرغم من كون مكتب أمن الجندي يحكم من فوق، إلا أن المخابرات العسكرية بقيت قوة ذات شوكة. ويعد الأمن السياسي جهازاً مهماً آخر فهو يراقب أحزاب المعارضة وتحركاتها. ولقد أدار حافظ أسد جهاز الأمن الرابع - مخابرات القوة الجوية- فيما تولى علي حيدر مسؤولية القوات الخاصة التي ولدت حديثاً، وهي التي تمثل وحدة عسكرية بمهمات استخبارية أو مخابراتية(6).وباحتماء هذه الأجهزة بحالة الطوارئ ومحاكم أمن الدولة المشكلة حديثاً، فإنها بدأت تؤدي واجباتها بأقل قدر من التقييد والممانعة.

إثر انقلابه في العام 1970، قام حافظ أسد بتوسيع أجهزة المخابرات، وأتى برؤسائها إلى داخل مجالس الدولة. وبوصفه رجلاً عسكرياً، فإنه يفضل تماماً الأجهزة العسكرية كما في الاستخبارات العسكرية ومخابرات القوة الجوية. وقد أسس أيضاً جهازاً شبه عسكري جديداً في العام 1971 أسماه -سرايا الدفاع- وجعل قيادته بيد شقيقه رفعت. ولرغبته الدفينة في حماية منشآت الدولة من الانقلابات العسكرية، فقد حصلت السرايا على تفويض واسع، ثم شرعت تشكل فرعاً مخابراتياً متيناً خاصاً بها. حتى بلغ تعداد أفرادها في أواخر أعوام السبعينيات أكثر من عشرة آلاف رجل جلّهم مدججون بالسلاح وفدائيون (كوماندوس). ولأن السرايا ذات أساليب شرسة متنمرة وذات سمعة تجعل منها ميالة للعنف الدموي والفساد، فقد غدت السرايا هذه اسماً ممقوتاً ومرعباً أكثر من أي قوات أمن أخرى، بل أكثرها طرّاً.

أسس أسد أيضاً في العام 1976 حرساً "إمبراطورياً" آخر جعله بقيادة أحد أنسبائه عدنان مخلوف، عرفت هذه القوة فيما بعد بالحرس الرئاسي تنحصر مسؤوليتها بسلامة أسد وأمنه الشخصي المباشر. وهي أيضاً شرعت تنمو باطراد حتى صار عدد أفرادها عشرة آلاف رجل أو أكثر لتضم في بنيتها المهمّة فرعي: كل من التنظيم شبه العسكري والمخابرات.

بني هيكل نظام أسد الأمني على ثلاثة أعمدة: المخابرات التقليدية كما في الأمن السياسي، والاستخبارات العسكرية، والوحدات العسكرية ذات المهمات الخاصة كما في القوات الخاصة، وسرايا الدفاع والحرس الرئاسي التي تجمع بين العمل العسكري الفدائي - الانتحاري- والوظائف أو المهمات المخابراتية، ثم الوحدات العسكرية "السياسية" الخاصة المشهورة بالفرقة المدرعة الثالثة. ينسق بين كل هذه الأجهزة وتشكيلاتها القوية مجلس أمن الرئاسة الذي شكله أسد في منتصف السبعينيات.

عجّل تدخل سورية في لبنان، الذي بدأ في العام 1975، من تطور القوات الخاصة وألف بينها وبين العمليات العسكرية ذات الطابع الجماهيري العام في مواجهة السكان المدنيين. وعندما وصل مد الدعم الجماهيري للمعارضة السورية الوطنية (المحلية) ذروته في أواخر السبعينيات -وبلجوء الإسلاميين إلى استعمال العنف بكثافة - فإن هذه القوات وما لحق بها من أجهزة مخابراتية رديفة لها، اكتسبت قوة ومنعة ليس لهما مثيل في مطاردة أعداء النظام وتدميرهم، ملتجئة إلى الاعتقالات الجمعية وتعذيب السجناء، والعقوبات الجماعية والإعدامات الصورية الكيفية معاً.

وبتحطيم المعارضة تناقص العنف الرسمي ضمن سورية منذ عام 1982، على الرغم من استمراره بأعلى مستوياته في لبنان. لم يلبث نظام أسد طويلاً هكذا حتى تعرّض إلى الخطر مباشرة، إلا أنه مع ذلك حافظ على قوته فوق الاعتيادية وقواته الأمنية بإطار أجهزته المتعددة الواسعة. وعلى مر السنوات تقلصت الأجهزة الخاصة وتضاءلت، وحلّ فيها رؤساء كثيرون ثم غادروها، بل تغيرت حتى أهدافها، إلا أن منظوماتها الهيكلية صمدت وبقيت ذات أهمية مركزية لحكم أسد.

أجهزة المخابرات السورية

المتاح الآن، ثمة خمس عشرة مؤسسة أمن تؤدي مهماتها مجتمعة في سورية، جميعها تعيش حالة استقلال بعضها عن البعض الآخر. ولكل منها أقسامها الإدارية الخاصة ورؤساؤها المباشرون الذين يرفعون التقارير إلى (الرئيس) مباشرة. فالكل يجمعون المعلومات، ويمارسون الرقابة والمراقبة. وهم يمارسون الاعتقال، ولكن بدرجات متفاوتة. ويستجوبون السجناء، ويشرفون على عملية الحجز والحبس، ولبعضها ركائز من أعلى المستويات في الوسط الإعلامي وفي "المنظمات الجماهيرية" والجامعات فضلاً عن وزارات الدولة.

تتعامل هذه الأجهزة مع القضايا السياسية مباشرة، وليست الشرطة النظامية التي تفعل ذلك. بل تعالج مختلف أوجه مثل هذه القضايا وحدها، منذ بدء التحقيق الأولي وعبر مرحلة الحجز والارتهان، حتى المراقبة بعد إطلاق سراح المحبوس، إذ يرفع المحبوسون والمحتجزون السابقون، بعد إطلاق سراحهم، تقارير أمنية إلى المؤسسة نفسها التي سبق أن اعتقلتهم أول مرة، بوصفهم مخبرين صاروا يعملون لديها ولحسابها.

وتتشابك مهمات الأجهزة هذه بكثافة وسعة، إلا أنها أيضاً، تتخصص في موضوعات متباينة في العمل المخابراتي. فمخابرات القوة الجوية معروفة بتخصصها بالعمليات السرية التي تحصل في البلدان الأجنبية، أمّا المخابرات العسكرية فمشهورة بدورها المهمّ والمتميز في لبنان خاصة، كما يشتهر جهاز الأمن السياسي بمراقبته الدقيقة للجامعات وأحزاب اليسار، ويعرف جهاز "فرع فلسطين" بإشرافه على ما يجري بين الفلسطينيين وعند اليهود، في حين تشتهر القوات الخاصة بصدامية جنودها خلال الاضطرابات المدنية.

ليس لهذه الأجهزة حدود لسلطتها في الواقع إزاء تنفيذ الاعتقالات والتفتيش والاستجواب فالحجز. ومن الناحية العملية لم يعرض، ولا سجين واحد، من بين آلاف السجناء المحبوسين لأسباب سياسية- على محكمة ما للنظر بأمره منذ عام 1980.

وعلى مرِّ الأعوام اعتقلت أجهزة المخابرات المواطنين السوريين من مختلف الطبقات والأديان والاتجاهات السياسية من دون أي استثناء وأساءت معاملتهم ثم سجنتهم.

وما دام دور هذه الأجهزة أن تقوم، وأكثر ما تقوم، باعتقال الضباط العسكريين وموظفي الدولة، وملاكات الأمن نفسها، فإنها تظهر النظام خائفاً مرعوباً من تهديداتٍ تأتيه من داخله هو، بقدر التهديدات التي يتوقعها من خارجه.

تعدّ أجهزة الأمن أكثر من ذراع في كيان الدولة؛ فرؤساؤها (وهم من الضباط العسكريين العلويين عملياً) ينتمون إلى دائرة النظام المغلقة، بمعية رؤساء وقادة الوحدات العسكرية الضاربة الأساسية المرابطة على مشارف العاصمة، إذ في حوزة هذه الدائرة المغلقة (الداخلية) قوة مهيمنة كبيرة تتجاوز ما لدى مجلس الوزراء حيث المدنيون وغير العلويين يجدون فرصة أكبر للظهور(7).

يمثل شفيق فياض، ابن عم الرئيس الذي أمضى في قيادة الفرقة المدرعة الثالثة أكثر من عقدين، عضوية مهمة في هذه المجموعة، إذ كان على وحدته العسكرية أن تكون واحدة من طلائع القوات التي تغادر إلى لبنان في العام 1976، وهي التي احتلت حلب في العام 1980، وساعدت في إخماد انتفاضة حماة في العام 1982. وبتموضعها قرب العاصمة فإن هذه الفرقة تعمل على حماية أسد وحراسته من مغبة قيام العسكريين بانقلابات يعدون لها في الخفاء. ومن بين من هم مع شفيق فياض رؤساء أجهزة الأمن الذين بقوا أعضاء في الدائرة (الداخلية) مدداً طويلة، ومن بينهم: علي حيدر، آمر القوات الخاصة منذ العام 1968 وحتى العام 1988، وعلي دوبا، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية ومحمد الخولي رئيس مخابرات القوة الجوية لأكثر من عشرين سنة الذي يرأس الآن مجلس أمن الرئاسة(8).

وفي الوقت الحاضر، فإن عدد العاملين في أجهزة الأمن والمخابرات السورية يربو على الخمسين ألف شخص. بضمنهم العاملون في الفروع العسكرية وشبه العسكرية. بل إن بعضهم يرتفع بالعدد هذا إلى ثلاثة أضعافه(9) وفق تقديرات هذا البعض الخاصة. إن خمسين ألفاً عدد كبير جداً بالنسبة إلى حاجة سورية. فهو يمثل شخصاً واحداً مقابل كل (240) شخصاً. وبالمعيار النسبي نفسه فإن ذلك يعني أن على الولايات المتحدة أن توظف أكثر من مليون إنسان لهذا الغرض في صفوف قواتها.

وعلى الرغم من إدراج الكلفة الحقيقية لهذه الأجهزة في الميزانية العامة، فإن المخابرات تثقل خزينة سورية كثيراً بنفقاتها. وفي بعض التقديرات نجد أن ما يعدل ثلث الميزانية العسكرية يتم تخصيصه للمخابرات. وهذا يعني ذهاب (750) مليون دولار تقريباً، في السنة، إلى المخابرات أي حوالي 5% من مجمل الإنتاج القومي السوري(10). ولكن بسبب الأزمة الاقتصادية الجارية في سورية الآن، قلص النظام حجم الإنفاق العسكري وهو يواجه ضغطاً لتقليص تخصيصات الأمن أيضاً. ففي العام 1990 سرح الجيش فرقتين قبل أن يطاله التخفيض، إلا أن معظم المراقبين يعتقدون بكون أجهزة الأمن والمخابرات آخر من يتعرض لتقليص التخصيصات أو قطع الجزء الكبير منها عنها.

من بين الخمس عشرة مؤسسة استخبارية -أمنية- هناك فقط خمس وحدات قوات عسكرية أو شبه عسكرية لها مهمات أمنية، كما الحال مع القوات الخاصة، وخمس مؤسسات أمنية أخرى "اعتيادية" اثنتان من هذه الخمس مدنيّتان ادعاء، واثنتان عسكريتان، والأخرى ملحقة بحزب البعث، أما الأجهزة الخمسة الباقية فإنها من الناحية النظرية تعد تقسيمات ثانوية للأجهزة الأخرى، ولكنها من القوة بحيث تقف فعلاً تؤدي واجباتها لحسابها هي، بمقرات مستقلة ومكاتب إقليمية ومراكز استجواب وتحقيق، من بين هذه الأجهزة ثلاث يحسبن فروعاً تابعة للمؤسسة الواحدة الأكثر بأساً وقوة: المخابرات العسكرية، فيما يأتي وصف لكل وكالة:

  • المخابرات الاعتيادية (التقليدية)
    • الأجهزة "المدنية"
    • الأجهزة العسكرية
  • القوات العسكرية الفدائية ودوائر الشرطة العسكرية

الأجهزة "المدنية"

إدارة المخابرات العامة أو "أمن الدولة"

تعرف إدارة المخابرات العامة أيضاً بـ "أمن الدولة" اسماً استمر حتى العام 1971 إذ تسلم العميد الركن ماجد سعيد إدارتها من الرائد فؤاد عبسي في آخر العام ،1988 يقع مقرها عند دائرة مرور (كفر سوسة) في جنوب شرقي دمشق. تعد إدارة المخابرات العامة كما يعتقد ثاني أعظم مخابرات سورية أهمية بعد المخابرات العسكرية، وعلى الرغم من تسميتها بالمؤسسة المـدنية (وقـد تكـون مـن الناحية الرسمية تابعة لقضاء وزارة الداخلية) فإنها من الناحية العملية كيان مستقل تماماً بذاته تحت قيادة عسكرية ولا يسائلها إلا الرئيس.

يعتقد أن لإدارة المخابرات العامة ثمانية فروع أو تسعة فروع رئيسة أكثرها أهمية الفرع ذو الرقم (251) ويطلق عليه (الفرع الداخلي) وفي بعض الأحيان يسمى (فرع المخابرات العامة) و (أمن الدولة) و (الأمن الداخلي) مقرها في منطقة السادات/ الخطيب بدمشق ويرأسها محمد ناصيف قريب أسد، وهو أيضاً نائب مدير المخابرات العامة والرجل الأول في مجال عمله، وربما أكثر سطوة وقوة من رئيس المخابرات العامة نفسه، ويقال إن ناصيف هذا قريب جداً من الرئيس أسد. للفرع الداخلي مقرات مستقلة في دمشق وله أيضاً مؤسسات تحقيقية خاصة به دون غيره، كما يقال أيضاً أنه ذو مسؤولية خاصة بالنسبة إلى دمشق، وعليه أن يُظْهر فعالية خاصة في الجامعات.

أما فروع المخابرات العامة الأخرى فتقع في معظمها بالقرب من المقر العام في كفر سوسة بضمنها (الفرع الخارجي) و (فرع المعلومات) و (الفرع الإداري) و (فرع التحقيق) و (فرع السجن) و (فرع مكافحة التجسس) و (فرع المداهمات)(31) وبالإضافة إلى تنظيمها المركزي فإن للمؤسسة فروعاً أخرى على مستوى المقاطعات والضواحي والأقاليم أيضاً.

رئيس جديد منذ 2009 علي مملوك

إدارة الأمن السياسي

ويرأسها العميد الركن عدنان بدر حسن، تعدّ هذه المؤسسة واحدة من أقدم المؤسسات في سورية، وقد نفذت الكثير من الاعتقالات السياسية خصوصاً بين من هم في أحزاب اليسار وعلى وجه التحديد الشيوعيين منهم. هناك فرع خاص يدعى (شعبة الأحزاب السياسية)يكثف واجباته ومهماته نحو هذا النوع من النشاط.. هناك أيضاً فرع آخر متخصص بشؤون الطلبة يدعى (شعبة الطلاب والأنشطة الطلابية) وفرع آخر للمراقبة والمتابعة أو الملاحقة يدعى (شعبة المطلوبين والمراقبين) وفرع آخر يغطي دمشق يسمى (فرع المدينة).

وبينما كان الأمن السياسي (يركز) على السيطرة على القوى السياسية المنظمة فإنه في السنين الأخيرة تولى مراقبة الحكومة والإشراف عليها، وقد أطلق على الفرع وهو يتابع أداء هذه المهمة (شعبة أمن المؤسسات الحكومية).

انسياقاً مع المخابرات العسكرية وإدارة المخابرات العامة، فإن جهاز الأمن السياسي القطري هو الآخر تطور كثيراً. لكل هذه الأسباب فإن الكثيرين يعتقدون به ثالث أكبر جهاز أهمية.

مكتب الأمن القومي لحزب البعث

، ويرأسه الدكتور عبد الرؤوف الكسم وهو (سنّي) وسبق أن كان رئيساً للوزراء حتى 1988 ويظهر أن الكسم هذا هو المدني (اللاعلوي) الوحيد بين رؤساء أجهزة الأمن والمخابرات، من الناحية النظرية العامة يقع جهازه في منطقة (الروضة) للإشراف على جميع دوائر الأمن الأخرى، ومن الناحية العملية فإنه فقد هذا الدور تماماً لصالح مجلس أمن الرئاسة، إذ إن هناك من يقول بصرف هذه المؤسسة وعدها ذات أهمية ضئيلة حسب.

كان المكتب في السابق قوياً شديد المراس وقد قام بإنشاء المكتب هذا عبد الكريم الجندي الموالي لصلاح جديد، وهو واحد من بين الأعضاء الأصليين في لجنة البعث العسكرية جاعلاً إياه أعظم أجهزة أمن القطر قوة في أواخر الستينيات، وقد تولى هو إدارته حتى 1 آذار 1969 عندما انتهى منتحراً جراء انتصار أسد المتوقع وسقوطه هو من السلطة.

ومنذ تلك الساعة والمكتب يعاني حالة كسوف دائم. ولم يعد يتورط في حملات الاعتقالات والتحقيق، ولم يبق له أي قوات مسلحة ضمن تنظيمه. إلا أنه كرّس جهده ليصير ذا دور متميز في جمع العمل الاستخباري والنتائج المترتبة عليه. فباستقطاب أعضاء الحزب والشرطة السريين فإن القدرة الأمنية التجسسية تصل بالمكتب إلى الضواحي المدينية القريبة، والقصبات الصغيرة حتى المناطق الريفية النائية.. إذ لا تستطيع المخابرات أن تأمل يوماً بتغطية هذه المناطق كلها بصورة فعالة وحدها.

تولى المكتب مسؤولية مهمة أخرى فزاد في اتساعها: تقويم أسماء المرشحين المقترح إسهامهم في مجلس الشعب والمجالس المحلية ومكاتب إدارة اتحادات العمال و«المنظمات الجماهيرية» وهو أيضاً الذي يقوم بتزكية المرشحين لانتخابات الهيئات الإدارية في النقابات المهنية، بل يتعين حتى على من يشترك في مؤتمر اتحاد المحامين العرب أن يحصل على موافقة المكتب.

أصدر الرئيس بشار الأسد مرسوماً (يحمل الرقم 36) يقضي بإلغاء مكتب الأمن القومي التابع لحزب البعث الحاكم والذي يشرف على الاجهزة الأمنية في سورية، لصالح إنشاء مجلس للأمن الوطني يكون من مهماته رسم السياسات الأمنية في البلاد. (أنظر التغييرات الأمنية 2009)

الأجهزة العسكرية

شعبة المخابرات العسكرية

ويرأسها العميد الركن علي دوبا وتقع بالقرب من الجمارك ودائرة المرور- غربي دمشق. وهي أكبر حجماً وأعظم قوة بين أجهزة المخابرات في سورية. ويتبوأ رئيسها مكانة مقربة عند الرئيس، ولا يوازيها أحد في حجم الاعتقالات التي تنفذها. وشعبة المخابرات العسكرية هذه هي أول أجهزة المخابرات في لبنان الذي صار الهدف الرئيس للعمل الاستخباري السوري في السنوات الأخيرة.

أصبح بعض فروع شعبة المخابرات العسكرية الكثيرة كبيراً بارزاً ومستقلاً نسبياً. من هذه الفروع: (فرع فلسطين) الذي يرأسه العقيد مزهر فارس الذي عُرف بعناصره الذين يتولون اعتقال كثير من السوريين، والفلسطينيين، واستجوابهم. تراقب هذه الشعبة اليهود بشدة وبتماس مباشر كما تفعل ذلك مع الفلسطينيين وتعد مسؤولة عن أكثر الوفيات التي حصلت تحت التعذيب من أي جهاز آخر في السنين الأخيرة(32). وتلطخ سمعة هذه الشعبة، بإطار مركز التحقيق التابع لفرع فلسطين، كونه الأكثر وحشية على مستوى القطرين ممّا سواها.

الضابطة الفدائية

ويرأسها العقيد عبد الرحمن عرفة. وهي وحدة فرعية تابعة لفرع فلسطين. وعلى أي حال فإنها في الحقيقة مستقلة تماماً بمقرّها الرئيس في منطقة (عدرا) في جنوب شرقي دمشق وبمركزها الخاص بالحجز والحبس الواقع في شارع بغداد في (القصاع)، وبفروعها الأخرى في مطار دمشق ومعسكر اليرموك. وهي أيضاً متخصصة بشؤون الفلسطينيين.

- هناك فرع آخر تتصاعد أهميته باطراد ويرعى (فرع المنطقة) ويرأسه العقيد هشام بختيار، وإذ تشرف هذه الشعبة على منطقة دمشق فإنها قامت بحملات اعتقال واسعة خلال السنتين الماضيتين. وكما الفرع الداخلي القوي- فرع جهاز المخابرات العامة- فإن فرع المنطقة يعمل، ربما، بصورة مستقلة نسبياً عن أصله الذي يرتبط به.

تحوّل فرع التحقيق العسكري إلى مركز تحقيق كبير بنفس الاسم الذي يصطف في بعض الأحيان مع مركز الفرع الذي يحمل اسم فلسطين (فرع فلسطين) من حيث كونه أسوأ مؤسسة تحقيق سورية. فقد احتجز في هذا المركز رجل المعارضة البارز رياض الترك منذ 1980 ويروى أنه عُذّب فيه وأهين بصورة تكاد تكون مستمرة.

والقسم الكبير والمهم الثاني في المؤسسة هو (الاستخبارات العسكرية السورية في لبنان) التي اعتبرت شبكتها الواسعة مسؤولة عن كثير من الاعتقالات وأعمال الخطف في هذا البلد. يرأس هذا الفرع اللواء غازي كنعان، إذ يعتقد أنه أهم شخصية سورية قيادية عسكرية في لبنان في الوقت الحاضر.

إدارة مخابرات القوى الجوية

رأسها العميد الركن محمد الخولي مدة طويلة جداً، وبوصفه رئيساً للوكالة فقد أعان أسد في إلقاء القبض على أعدائه عندما استولى على السلطة في العام 1970. تقع هذه الإدارة في منطقة (أبو رمانة) شمال وسط دمشق. يرأسها الآن ابن أخي الخولي العقيد إبراهيم حواجي. أما الخولي الذي يشغل الآن منصب رئيس لجنة المخابرات الرئاسية فما زال يتمتع بتأثير كبير في هذه الإدارة، ويقول البعض: إنه بقي رئيساً مؤثراً لها وفيها.

إن خلفية أسد في القوة الجوية تعني روابط حميمة بين الرئيس وهذه الإدارة. لذلك فإن مخابرات القوة الجوية تطورت كثيراً واتسعت مسؤولياتها حتى وصلت حداً تجاوزت فيه المسائل العسكرية الصرف، إذ صار لها اليد الطولى في اعتقال خصوم النظام المدنيين، وأصبحت، من جهة أخرى، فعالة جداً ومؤثرة في العمليات الخارجية السرية. ويروى أن الخولي اعتاد السفر إلى أوروبا، وخاصة إلى سويسرا وألمانيا، بمهمات استخبارية وهو الذي شخصته الأحداث بوصفه الرجل الذي كان وراء قضية "هنداوي" التي هربت فيها "العال"- الخطوط الجوية الإسرائيلية- قنبلة الانفلاق الجوي.

بالإضافة إلى المقرّ الرئيس لإدارة مخابرات القوة الجوية، هناك خمسة مراكز أخرى لها في دمشق، ناهيك عن دائرة التحقيق الخاصة بها، ولها فوق ذلك كله ثلاثة فروع في ثلاث محافظات: حلب، وحمص واللاذقية.

يرأسهاعلي مملوك منذ عام ؟؟؟

القوات العسكرية الفدائية ودوائر الشرطة العسكرية

القوات الخاصة (الوحدات الخاصة)

ويقع مقرها في منطقة (القابون) بدمشق. تأسست في العام 1968. وقد ترأسها العميد الركن علي حيدر منذ قيامها حتى أيلول عام 1988. وأخيراً أحلّ أسد علي دوبا محله، علماً أن ابن أخي علي دوبا يرأس المخابرات العسكرية.

كما يوحي اسمها، فإن الوحدات الخاصة هي وحدات عسكرية منتخبة فبالدروع التي في حوزتها والطائرات السمتية (الهيلوكبتر) وبتسلحها المميز يصفها الآخرون في الغالب الأعم بالحرس "الإمبراطوري" الصارم لنظام أسد. والكثير من منتسبيها الذين تلقوا تدريباً خاصاً في الأعمال الفدائية والمظلات هم من العلويين، مع أن عدد أفراد هذه القوة يتراوح بين (10) آلاف جندي و (15) ألف جندي.

وقد لجأ أسد إلى تسخير هذه القوات في الفترة بين 1978 و 1982 لغرض تحطيم المعارضة في مناسبات حرجة عديدة، فقد كانت هذه «الوحدات» مسؤولة عن مذبحة جسر الشغور في شهر آذار 1980، ثم إنها مارست دوراً مهماً في عملية احتلال حلب عام 1980 أيضاً، وتعد مسؤولةً مسؤولية مباشرة عن المجازر التي حصلت في المدينة نفسها، وهي التي قامت بمذبحة حماة ثم أسهمت مع القوات الأخرى في إخماد انتفاضة المدينة في العام التالي.

فضلاً عن مهمتها العسكرية القمعية العنيفة، تعمل الوحدات الخاصة كمؤسسة استخبارية وبوليسية، فهي التي نفذت، وعلى مرّ الأعوام، كثيراً من عمليات الاعتقال إلا أن عملها الأمني الأساس (تركز) منذ العام 1985، وبدرجة كبيرة في معظم فعالياته، في لبنان، حيث خصص لها مناطق نفوذ في الضواحي والمناطق الشمالية، وعلى وجه التخصيص مدينة طرابلس. وفي منطقة نفوذها هذه، قامت الوحدات الخاصة بسجن الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين، بل تتحمل مسؤولية الكثير من عمليات الاختطاف والإعدامات الكيفية الطائشة.

الحرس الرئاسي أو الحرس الجمهوري

ويطلق عليه أحياناً الحرس الجمهوري، وقد تأسس في العام 1976 بعد الاجتياح السوري للبنان بغية حماية الرئيس الذي تتزايد كراهية الجماهير له. لقد ترأس عدنان مخلوف، ابن أخي زوجة أسد هذه المؤسسة. إلا أن بعضهم يقول إن رئاستها الحقيقية بيد ضابط رائد أو نقيب في الحرس هو -نجل الرئيس باسل- الذي بدأ الإعلام يعامله كما لو كان الوريث الشرعي للتاج. من الناحية الرسمية يترأس باسل الأمن الرئاسي، إحدى الوحدات الفرعية الاستخبارية في الحرس.

توسع الحرس في حجمه، وقد بقي طويلاً بقوته المقدّرة بـ (10) آلاف رجل إثر انتقال سرايا الدفاع بوجودها الفاعل إليه، (انظر أسفل -مما يأتي)، ولا تتضمن مسؤوليته حماية الرئيس فقط، وإنما سلامة الأمن العام في دمشق أيضاً، هذه هي المهمة الحرجة التي يشترك معه فيها أجهزة أخرى.

الفرقة العسكرية الثالثة

ويقودها اللواء شفيق فياض ومقرها في القطيفة قرب دمشق وهي فرقة مدرعة منتخبة تتألف قوتها من (15 - 20) ألف رجل ومئات الدبابات والعجلات المدرعة الأخرى. يتميز دورها بين قطعات الجيش الأخرى بالعمليات الفدائية وفعاليات الأمن الداخلي، وهي التي قادت الاجتياح السوري للبنان، واحتلت حلب، وساعدت في قمع انتفاضة حماة والقضاء عليها. وقد تولت تنفيذ عمليات تفتيش ومهمات تدميرية في الريف السوري أثناء نشاط المعارضة في الفترة بين 1978 – 1982، فضربت القرى التي كان يعتقد أنها تدعم المعارضة وتؤوي أنصارها أو كوادرها التنظيمية.

ولأن الفرقة الثالثة هذه لعبت دوراً سياسياً بارزاً كهذا، فمن الممكن وضعها مع الوحدات الخاصة ومجموعات الدفاع الحساسة. على أي حال، ومع دورها الاستخباري المقنن و (المحجَّم) لدرجة كبيرة، فهي نادراً ما تتورط في حملات الاعتقال والتحقيق أو الأنشطة الأخرى المماثلة .

سرايا الدفاع (عن الثورة)

وعنوانها الكامل: السرايا من أجل الدفاع عن الثورة: يقود هذه الوحدات رفعت الأسد، ومقرها في منطقة المزة بدمشق. تأسست هذه الوحدات في العام 1971 في بدء عهد رئاسة أسد بهدف حماية منشآت الدولة من الانقلابات المحتملة. وعلى الرغم ممن مات فيها، قليل أو كثير، فإنها شهدت توسعاً ذا قيمة أثناء آخر سنوات السبعينيات، حتى وصل عدد أفرادها إلى (20) ألف رجل (أي أكثر من ملاك فرقة جيش كاملة) إذ هي في أوج قوتها في مطلع الثمانينيات(33). وبضمنها أربعة ألوية منتخبة (ثلاثة مدرعة وواحد ميكانيكي) فإنها صارت مسلحة، بل مدججة بالسلاح أكثر حتى من القوات الخاصة مما جعل النظام يسخّر الوحدات العسكرية هذه كدرع لحمايته من أي انشقاق أو انحراف داخلي ومن المغامرين صنّاع الانقلابات، ولكن عندما لجأ رفعت إلى تحريكها (ضد ) أخيه تم حل السرايا بسرعة.

يرتدي مقاتلو سرايا الدفاع بذلات مميزة تماماً، بذلات قتال حمراء خفيفة اللون، فتميزهم تماماً عن مظهر كل الوحدات العسكرية والأمنية الأخرى.يقودها "العلويون" وينتسبون إليها أكثر من أي وحدة عسكرية أو أمنية أخرى، ومع أقلية العلويين، وبدرجة أقل اتساعاً فيها، تجد الأقليات الأخرى من مسيحيين ودروز وإسماعيليين.

للسرايا قسم استخباري فعال له فروع تمارس التحري والاعتقال والتحقيق، يرأسها صهر رفعت أسد (معين ناصيف). كما تضم أيضاً العديد من مراكز التحقيق بما في ذلك (مركز حجز شعلان) في طريق المطار خارج دمشق.

بعدما نفي رفعت أسد إلى الخارج إثر محاولته المجهضة للاستيلاء على السلطة حل معين ناصيف محلّه قائداً لها فأشرف على ما تبقى من وحداتها المنكمشة. قرر الرئيس أسد تدمير قاعدة قوة شقيقه رفعت وتجريدها من السلاح وفك وحداتها بعد محاولتي اغتيال تعرض لهما أعداء رفعت من المستويات العالية في السلطة.

واجه بعض موظفي المخابرات في السرايا نقلاً إلى دوائر أمنية أخرى، بينما أعيد تنظيم القسم الأكبر من القوات بإطار فرقة مدرعة جديدة بقيادة اللواء حكمة إبراهيم. ولا تجد الآن أي أثر يذكر للسرايا التي سببت أكبر رعب في البلاد.

الشرطة العسكرية

، ويرأسها اللواء ساري رستم. ترتبط هذه القوة من الناحية النظرية المجردة بالدائرة القضائية التابعة لوزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة، إلا أنها قد تعمل شبه مستقلة تحت تأثير رئيس المخابرات العسكرية علي دوبا الذي يستقر في مقر لا يبعد عنها شيئاً. وعلى الرغم من حصر دورها بقوة شرطة تتبع القوات المسلحة، فإنها تتولى مسؤوليات استخبارية وأمنية في الأوساط المدنية كذلك. وقد قامت في السنوات الأخيرة باعتقال العشرات من ذوي الأنشطة السياسية المختلفة.

الأمن العسكري

فرع تابع للقوات المسلحة النظامية، وبما أن هذا الفرع بإمرة رئاسة الأركان العامة فإنه لا يخضع لسيطرة علي دوبا ومخابراته العسكرية، وعلى الرغم من جهود هذا الفرع موجهة أساساً نحو القوات المسلحة، فإنه تولى اعتقال الكثير من المدنيين على مرّ الأعوام، وفي الفترة بين: 1978 - 1982 على وجه الخصوص، أما في السنوات الأخيرة فقد تقلصت فعالية هذا الفرع في الأوساط المدنية إلى درجة كبيرة. ولم تفد التقارير شيئاً عن حصول حالات اعتقال قامت بها هذه المؤسسة بين المدنيين خلال السنتين المنصرمتين، إذ بقيت محتفظة بوصفها مؤسسة أمن نشطة ضمن مفاصل القوات المسلحة وحلقاتها وصنوفها 

كيف تعمل من الداخل

المكافآت والفساد

لا يتأتى حجم الكلفة العالي في أجهزة الأمن والمخابرات من كبر حجمها فحسب، بل من المكرمات السخية التي تنهال عليها من النظام بغية ضمان ولائها. إذ أن منتسبي الأمن والمخابرات يعيشون حياة دعة واسترخاء طبقاً للمعايير السورية نفسها. فمرتباتهم ترتفع كثيراً عن من يماثلهم في الرتبة والموقع في حلقات الوظائف المدنية والإدارات العسكرية وملاكاتها. وهم يحصلون كذلك على قروض ومساعدات مالية كأجور سكن، وخصومات وسماحات في السفر، وأسبقية الحجز في وسائل النقل العام، وتسهيلات إلى حوانيت الأسواق الحرة، فضلاً عن امتيازات كثيرة أخرى، ولمعظم ضباطها كذلك تخصيصات مالية حسب تقدير حاجتهم إليها، ولهم أن يشغّلوا مستخدمين من الدرجات الدنيا كمراسلين وخدم لهم شخصياً(11).

يقوم مستخدمو الأمن أيضاً بإنجاز خدمات محددة مقابل المال. إذ شهد أمام مراقب الشرق الأوسط عدد كبير من السوريين حول طلب ضباط المخابرات المال مقابل تنظيم زيارات للسجناء، وإعداد تراخيص السفر (الفيزا) والأذونات والسماحات والتخويلات من كل الأنواع. وقد دفع الأكراد اللاجئون المعدمون المعوزون مئات الدولارات لأجل الحصول على جوازات سفر، وقدمت العوائل المشتتة في لبنان، على فقرها، آلاف الدولارات بغية الظفر بزيارات إلى السجون. ويتقاضى موظفو المخابرات مبالغ كبيرة بشكل خاص عندما يعبر أحد رجال الأعمال الموسرين عن حاجته إلى خدمة ما كما في الحصول على إجازات الاستيراد مثلاً(12). وبالتقدم خطوة أكثر نحو الأعلى في هذه الممارسة، نجد رفعت الأسد، وكما يقال، قد جنى ملايين الدولارات من خلال "حماية" المشاريع التي يطلب في مقابل حمايتها حصة في الأرباح من كبار رجال الأعمال ومشروعاتهم التي تخضع لهذه الحماية.

وقد طرق سمع مراقب الشرق الأوسط كذلك شكاوى من قيام ضباط الأمن بالاستحواذ على شقق "المهاجرين" ومنازلهم لحسابهم الخاص. وما يمارسه منتسبو الأمن في لبنان من سلب ونهب يعدّ مألوفاً وشائعاً بشكل خاص، أما الشقق والأثاث والسيارات فقد ذكرت الإفادات أنها تعدّ غنائم عظيمة ومفضلة. يشير اللبنانيون أحياناً إلى رفعت أسد بوصفه "ملك السجاد الشرقي" بسبب ما علق بسمعته من مصادرة هذه السلع الثمنية وفي بعض الأحيان يتولى أفراد حاشيته في المليشيا اللبنانية تقديم المساعدة له في هذا الصدد من الذين يدعون (فرسان العرب) الذين اشتهر عنهم لقب: (النمور القرنفلية)(13).

لقد تورط ضباط الأمن السوري ورؤساؤهم بعمق في لعبة السوق السوداء. حتى أن رفعت أسس علناً سوقاً في دمشق أسماها "سوق الجنود" تباع فيها البضائع المهربة من لبنان أو المسروقة من الدولة(14) إذ غالباً ما تسافر شاحنات سرايا الدفاع أو الفرقة الثالثة على الطريق الواصل بين بيروت ودمشق محملة بالسلع والبضائع المهربة.

أغلق (سوق الجنود ) بعد نفي رفعت، وتقلص التهريب العلني كثيراً مما كانت تتعاطاه قوات الأمن سابقاً، إلا أنه استمر يحتل مكاناً مرموقاً في عالم التجارة. وتدور الإشاعات من حين إلى حين، وتشير كتابات الصحف من آن لآن بإيحاءات عن قيام رؤساء الأمن والمخابرات بصفقات مربحة كبيرة، وسرقة سيارات اللبنانيين والمتاجرة بالمخدرات اللبنانية(15) إن دليل الحقيقة القائلة بزيادة دخولهم المالية على مرتباتهم الرسمية بنسبة كبيرة موجود في قصورهم الفخمة، وحيازتهم الأراضي الشاسعة والسيارت الفارهة، وحفلات زفاف أبنائهم وبناتهم المسرفة كما يقيمونها لهم.

التنافس في مقابل المركزية والتمركز

أقام أسد منظومته الأمنية الاستخبارية في عدد كبير من الدوائر المتشابكة المتداخلة. وهو بذلك قد منع أي شخص من جمع قوة أكثر من الحد المأمون فضلاً عن ضمان قدرته على سلوك طريق يوصله إلى مختلف القنوات المعلوماتية وأكثرها عدداً. ثم هو كذلك يأمر أجهزته بمراقبة بعضها البعض الآخر. إنها لمهمة مكلفة حقاً، إلا أن الشك المتبادل والمنافسة منحا أسد السيطرة المطلقة الكاملة عليها.

لقد أحبطت الأجهزة شبه العسكرية محاولات انقلابية يقوم بها بعضها فيحبطها البعض الآخر، ففي آذار ،1984 وأثناء مرض الرئيس، دفع رفعت قواته من سرايا الدفاع في عرض للقوة والتآمر، وعندما تحركت دروعه ومغاويره نحو دمشق واجهته القوات الخاصة والفرقة الثالثة والحرس الرئاسي وكلها موالية للرئيس. أخيراً، أدرك رفعت أنه لن ينجح فوقف إلى جانب شقيقه(16).

وخلال عقد السبعينيات وحتى مطلع الثمانينيات كافحت الأجهزة باستماتة بعضها مع البعض الآخر من أجل القوة والتأثير الأكبر. ففي بعض الأحيان ترى رجل المخابرات يروم التفتيش بهدف العثور على رجل سبق اعتقاله فعلاً من قبل جهة مخابرات أخرى! أو أنك ترى عدة أجهزة تتجه نحو البحث عن شخص مطلوب واحد في الوقت نفسه. لقد أخبر مواطن سوري مراقب الشرق الأوسط عن مناسبات عديدة وصل فيها فريقان في اللحظة نفسها وهما يمثلان جهتين أمنيتين مختلفتين، وبينما كان الفريقان يتجادلان مرة في أي منهما له حق الاعتقال، حاولت طريدتهما الفرار منهما معاً(17).

قرر أسد في وقت ما في منتصف العام 1980 فرض سيطرة مركزية أعظم، أو في الأقل تحقيق تنسيق أفضل من خلال تقوية "لجنة المخابرات الرئاسية" وتقليص الاستقلالية الذاتية في الأجهزة الأخرى. لقد مضت الفوضى التي كانت سائدة حتى مطلع الثمانينيات. لذا فإن تعدد الفخاخ المنصوبة لشخص واحد غدت حالة غير موجودة بعد أن كانت شائعة وسائدة. وتم التنسيق كذلك في حالات التحقيق والاستجواب بين «لجان» التحقيق التي تشكها أجهزة عدة لاستجواب السجناء ذوي الأهمية الخاصة أو الكبيرة.

كانت أول إشارة على التعاون الداخلي المخابراتي واضحة تتجلى في الموجة الكثيفة من الاعتقالات التي بدأت في أيلول 1987 واستمرت حتى شباط 1988 إذ أسهمت أربع دوائر أمنية مخابراتية بعضها مع بعض، وهي الأمن السياسي، والأمن الداخلي، ومخابرات القوة الجوية، والاستخبارات العسكرية في حبس وسجن أعداد من الناس تعد ألفي شخص من مختلف أحزاب الجناح اليميني، لقد كانت هذه الحالة المرة الأولى في سنوات كثيرة أن تقوم فيها أجهزة عديدة بتنفيذ مثل هذا الاكتساح(18).

وظائف المخابرات

الحرس وواجبات الحراسة

يلاحظ المرء في سورية تولي الدوائر الأمنية حراسة الأشخاص ذوي النفوذ والأبنية العامة المهمة. ففي الفترة بين عامي 1978 و ،1982 عندما نفذت المعارضة الإسلامية حملة اغتيالات، وفجرت السيارات المفخخة.. ضاعف النظام من أعداد الحراس في هذه الجهات حتى عجّت بهم دمشق بشكل خاص.

علّق الباحث الفرنسي ميشيل سورو في عام 1982 قائلاً: يمكن تحديد رجل السلطة في سورية وقوته من خلال عدد حراسه الذين يحيطون به، فللرئيس (12) ألف حارس، ولرؤساء أجهزة الأمن والمخابرات (60) حارساً لكل منهم، ولرئيس تحرير جريدة الحزب (البعث) 28 حارساً، بينما لا يصيب عميد كلية طب الأسنان إلا أربعة حراس فقط يمكن الاستدلال أيضاً بقراءة العدد حول مقرات أعمالهم، أو بالقرب من دور سكناهم إذ كتب سورو عن ذلك قائلاً: ربما يشغل الحراس ممراً بسيطاً، وربما احتلوا رصيف المشاة أمام العمارة أو البناية، وربما أيضاً يغلقون السير في عموم الشارع(19).

عندما قدم وزير الخارجية الإيراني إلى دمشق لمقابلة عدد من كبار المسؤولين السوريين كتب سورو: "جلس تسعة مجتمعون حول مائدة واحدة في المطعم، ولما كان كل واحد منهم يصحب معه حارسه الخاص، فإن مالا يقل عن (300) شخص وصلوا في الجوار يجوسون كل ما يحيط بالمطعم"(20).

وفي تلك الأثناء تم إقفال منافذ العديد من الشوارع الصغيرة كلياً في دمشق لحماية سكانها من ذوي الأهمية والسلطان. أما حراسة العمارات والأبنية فتعتمد على درجة أهمية كل منها، ولكن في الغالب الأعم نرى دزينتي حراس أو أكثر حول كل منها. وللعمارات والأبنية ذات الأهمية القصوى قامت المخابرات ببناء حواجز ومتاريس كونكريتية على حافة أرصفة المشاة لمنع أي عجلة من الاقتراب.

واليوم! تجد عدد الشوارع المغلقة قد انخفض إلى أقل عدد. بل أعيد فتح الكثير من هذه الشوارع في دمشق بعد نفي رفعت أسد في العام 1984، وشرع الناس يغادرون مساكنهم ليلاً دون خوف من اعتراضهم والتصدي لهم من قبل مغاوير سرايا الدفاع الجلفين. إلا أن الكثير من الحواجز ما زالت باقية. لا أحد يستطيع السير حذاء رصيف المشاة أمام البنك المركزي على سبيل المثال أو التقرب من أي نقطة جوار مقرّ قيادة مخابرات القوة الجوية، فلقد أغلق شارع "أبو ذر" المجاور للبنك المركزي في وجه المرور، كما قلصت فسحة الشارع من أربعة خطوط لسير السيارات حتى مسار واحد فقط بالقرب من ساحة الأمويين، حيث تقوم رئاسة أركان القوة الجوية والقيادة القطرية بهدف توفير المكان للحواجز الثقيلة على كلا الجانبين. وبالطبع فإن المنطقة المحيطة بقصر الرئاسة تقع تحت وطأة حراسة مشددة هي الأكثر من نوعها. ويبقى المرء يقابل في المدينة، في أي من شوارعها وأزقتها، شوارع محرمة على المشاة ودوريات الأمن والمخابرات والحراس المتأبطين بنادقهم السريعة الإطلاق تملأ مداخلها ومنافذها.

وفي حراسة العمارات والأبنية الأقل أهمية، حيث لا تجد حواجز مما تقيمه المخابرات عادة، ترى الحراس واقفين يمنعون الناس من الاقتراب إلى البناية ما لم يكونوا مخولين أو مأذونين ولا يسعهم إذن الوقوف بسياراتهم في ساحاتها، ويتولى الحارس بعد ذلك إبعاد الناس الراجلين المشاة من السير أمامها، أما في مدخل الجامعة فيدقق أجهزة المخابرات هويات الطلبة، وعلى طول أرصفة المشاة في مركز المدينة ترى أجهزة الأمن والمخابرات بزيهم المرقط (المغاوير) يتحلقون على شكل ثنائي وثلاثي في كل مسافة. ومع أن تسعة أعوام انقضت على سحق النظام السوري المعارضة، فإن الحس الأمني يؤكد احتفاظ دمشق لشعور الرعب والخوف.

النظام الاستخباري والمراقبة

يتميز رجال المخابرات السوريون، والمخبرون، بوجود دائم في كل وقت ومكان، وليس ثمة من يعرف كم هو عددهم مجتمعين، إلا أن بعض السوريين العارفين ببواطن الأمور يقدرهم بعشرات الألوف، بعضهم يقبض أجره على أساس الدوام الكامل، بيـد أن كثيراً غيرهم يعمل (نصف دوام)، أو يكافأون دورياً أو في المناسبات، ويتعرض البعض، كما هو المتوقع ببساطة، إلى التحري وطلب المعلومات عبر سلسلة مراجعهم الرسمية الوظيفية، وفي الدوائر الحكومية وعبر الانتماءات الحزبية. وأخيراً يصير الكثير منهم مخبرين كرهاً لا طوعاً بعد التهديد والتعذيب. وبالتالي فإن النتيجة تعكس مجتمعاً يغص بالمخبرين. ولا غرابة بعد ذلك إذن أن يعي السوريون تماماً أن أي شيء يتفوهون به أو أي فعل يعملون يعد معروفاً لدى السلطات في الأخير.

وعلى حسب بعض السوريين العارفين ممن تحدثوا إلى مراقب الشرق الأوسط إذ قال: إذا ما أردت أن تعمل سائق تاكسي في دمشق فعليك الموافقة على التعاون مع جهاز المخابرات والأمن واجتياز اختبار معلوماتي طويل. والشيء نفسه يحصل مع الكثير من الناس في الأعمال الوظيفية الأخرى ذات الموقع الحسن في ممارسة الرقابة والملاحظة كما في حالة: الصحفيين، وعمال المطاعم ونادليها، وموظفي الفنادق وخدامها، وموظفي مواقف الحافلات، والباعة المتجولين، وسماسرة العقارات الحقيقيين، ووكلاء السفر والسياحة(21). وتؤكد المخابرات حضورها من خلال وجود المخبرين في معسكرات الجامعات ومجمعاتها الدراسية والسكنية، وفي تجمعات الشباب وتنظيماتهم وفي المعامل - أي في أي مكان يتجمع فيه السوريون، بعضاً إلى بعض. تحكي القصة الآتية نموذجاً مثالياً على هذا الواقع:

لجأ خمسة منا إلى المذاكرة معاً في إحدى الأماسي الجامعية، تحدثنا بحرّية عن الوضع في بلادنا، وكنت أنا بشكل خاص أوجه نقداً لاذعاً إلى النظام، وفي اليوم التالي مباشرة استدعتني المخابرات وأنذرتني بأن متاعب جمة كانت في انتظاري. بالطبع فإن واحداً من الرفاق الخمسة كان مخبراً(22).

تدلّ هذه التجربة وأمثالها على حذر السوريين عندما يتحدثون في السياسة. وعلى الرغم مما هو معروف عنهم من كرم الضيافة، فإن ما يتوجب فهمه عنهم حرصهم فيما يتحدثون به إلى الغرباء وتوجسهم منهم.

يناقش السوريون، إجمالاً، كل ما يتعلق بالسياسة في جلساتهم العائلية ومع أصدقائهم المقربين حسب. من الممكن أن تصير المحاضرة السياسية حيوية وفعالة، إلا أن فائق العناية والحذر يتعين أخذهما بعين الاعتبار في عدد الحاضرين، فإذا جاوز العدد حداً معيناً تتحول هذه المحاضرة إلى ما تفسره المخابرات: اجتماعاً عاماً وليس تجمعاً علمياً محدوداً، استناداً إلى أنظمتها الأمنية عن خرق القانون والأنظمة العامة. وقد يلجأ الناس إلى التعبير بلطف عن أمر بغيض وخفض أصواتهم عند الحديث، وغض النظر عما يشين. ليس كل ما يجب أن يقال يقال فعلاً، إذ أن مجريات الأمور، والرقابة الشديدة تستطيع إحصاء كل شيء، تقريباً. كتب أحد السوريين ما يفيد عن فهم للقوانين قائلاً:

إذا ما قلت لزوجتي: أنا لا أحب أسد، ليس هناك خطر إن أنا قلته في بيتي وإلى أفراد من عائلتي أو اثنين أو ثلاثة من أقرب أصدقائي لنفسي، فليس هناك أي مشكلة محتملة. ولكن إذا قلته إلى عشرة من الناس في منزلي، فلقد شرعت بذلك السير في درب الخطر الحقيقي، حتى لو كانوا من الأصدقاء. وإذا اقترحت على هذه المجموعة عمل شيء ما، فإن الخطورة التي سأتعرض لها تصير حقيقة مرعبة.

وبالطبع، إن أنا أعلنت ذلك في تجمُّع عام فإنني معتقل لا محالة. هذه هي أحكام اللعبة تماماً(23).

يفترض السوريون، على نطاق واسع، قيام المخابرات بتسجيل المكالمات الهاتفية وأن النداءات الخارجية هي موضع رقابة مشددة بشكل خاص. تبدو هذه الافتراضات منطقية ومعقولة، في الأقل في حالة مسؤولي الدولة من المستويات العالية والمفكرين والأشخاص الذين في تاريخهم السياسي مشكلة أو ورطة.

فكثير من مثل هؤلاء الناس استدعتهم المخابرات بهدف استجوابهم أو حتى أنها اعتقلتهم بسبب ما قالوه أو تحدثوا عنه من خلال الهاتف.

كما لو صار قانوناً، أصبحت مراقبة الأجانب شائعة، على الرغم من كونها أقل تطفلاً مما سبق. قبل سنوات خلت أمضى طالب دكتوراه أمريكي سنة كاملة في السجن، ولكن أخيراً استطاع معرفة الشخص الذي كان وراء ذلك. وعلى مر الأعوام أصبح الأجانب المعروفون بنقدهم النظام أشخاصاً غير مرغوب فيهم، مهما كانت دقة تشخيص هذا الواقع. وفي حالة معينة في منتصف الثمانينيات، أجبر النظام مؤرخاً أجنبياً معروفاً على مغادرة القطر خلال (12) ساعة فقط لأنه كتب مقالات عدّها النظام خالية من الإطراء والمديح. أما المسافرون العاديون فقد أفادوا، على الرغم من كل ذلك، بغياب أي إشارة أو دليل على وجود مراقبة ما، لذا، فإن من الطبيعي هذه الأيام أن يدخل المرء سورية ويغادرها جواً من غير تفتيش حقيبة السفر ومن دون أسئلة شخصية خاصة.

وبصدد المقيمين في سورية، فإن المسألة تختلف كثيراً. إذ أن دوائر الأمن والمخابرات تسيطر بشدة على سفر المواطنين إلى الخارج فتطلب منهم تأشيرة مغادرة فضلاً عن جواز السفر(24). وكثير هم الذين ترفض طلبات سفرهم إلى الخارج، واليهود ، وكذلك الفلسطينيون من بين أولئك الممنوعين بشكل خاص. بل صار معروفاً تماماً منع الكتّاب والمؤلفين من السفر والمغادرة حتى وهم في المطار(25). لا أحد في الواقع على يقين من حتمية سفره، (أو سفرها)، مهما خطط لذلك!

بالإضافة إلى مراقبة الأشخاص الطبيعيين والدور والمكاتب، فإن أجهزة الأمن والمخابرات تفتح كذلك البريد من كل نوع وتتطلع عليه وتقرأ ما فيه. بل حتى أكثر المواد براءةً ونقاءً تصير موضع شك وريبة، خاصة إذا كانت مرسلة إلى سورية من الخارج. لقد استدعت المخابرات أخيراً شخصاً سوريا ً واستجوبته توضيحاً عن سبب حصوله على كتاب عن الفن الحديث من صديق له في أوروبا. ولم يسمح له بأخذ الكتاب والذهاب إلى منزله إلا بعد مناظرة تحقيقية أفصح من خلالها أن الكتاب هذا هدية لم يتسلمها من صديقه ولم يكن يتوقع تسلمها منه أيضاً(26).

أما تسلّم بريد بمحتوى سياسي فإنه يجعل من الممكن تماماً أن تصير النتائج أكثر جديةً وصرامة من أي شيء آخر. ففي قضية غدت معروفة جداً، اعتقلت المخابرات الدكتور توفيق درق السباعي، طبيب الأعصاب ووالد خمسة أبناء في بيته عام 1980 إثر اعتراض عناصر المخابرات رسالة له جاءته من قريبه في السعودية كتب له فيها شيئاً يتعلق بطبيعة الوضع السوري السياسي العام. وقد اتهمته بتعريض أمن الدولة للخطر مما عرّضه هو بعد ذلك إلى التعذيب فالسجن، وقد بقي في سجن المزة محتجزاً حتى منتصف عام 1990.

ليس أسهل من المبالغة في بيان نجاح المخبرين، والرقابة وباقي وسائل جمع المعلومات في المنظومة الاستخبارية في أداء مهامها. وفي الحقيقة، فإن الحدود والقيود موجودة، وأن المنظومة بعيدة عن إلمامها وإحاطتها بكل شيء علماً.فأي زائر طارئ إلى دمشق لا يمكن أن يخفق في ملاحظاته لما يحيط به من الارتباك والتشويش والمطار الذي يبدو وكأنه مهجور وأكوام النفايات التي تطرحها الدوائر الرسمية فضلاً عن ترك الحاسب الإلكتروني مهملاً مترباً تدل على ذلك شاشة عرضه المقفلة.

تنقل دوائر المخابرات- الأمنية- المحلية هذه الانطباعات نفسها وتؤكد اللامبالاة السائدة بين الموظفين وهم لا يكترثون بأكداس المقاعد الخشبية المهشّمة المصفرّة البالية تغطي سطوح الطاولات وتتراكم عليها وهم منشغلون بأحاديثهم عبر الهواتف بينما المسافرون يتضوّرون ويتضرعون في انتظارهم العصيب أملهم الوحيد أن يسمعهم واحد من أولئك الموظفين أو يلتفت إليهم. أمسى الجو خليطاً مشوشاً متلاطماً يمتزج مع رائحة الفساد الخانق وممارسات السلطة البيروقراطية، كل ذلك صار من سمات الدولة البوليسية التي تفتقر إلى الرحمة والشفقة تماماً.

تفرض تركيبة المجتمع السوري حدوداً أخرى على أجهزة الأمن والمخابرات. فالعائلة الواسعة، والقرية والأحياء المدنية والطوائف الدينية، جميعها تبقى قوية وتوفر شبكات تجسّس مضادة لها هي نفسها. روى سوري من دمشق أن صديق ابن عمه الحميم تزوج من ضابطة مخابرات، وفي يوم ما، ومن غير قصد أو حرص كشف عن هوية المخبر الساكن بالجوار ممن لم يعلم به أحد من قبل، وقد حكى سوريون آخرون القصة نفسها مع اختلاف في التفاصيل(27).

يدعي كثير من الناس قدرةً في تشخيص عناصر المخابرات والأمن. فهم في الغالب الأعم من العلويين الريفيين، ولهم طريقتهم الخاصة بالكلام، وفي اللباس، وطبيعة الأسئلة، وحسب قول أحد السوريين: ليس من العسير أو المخيف أن تحدد هوية المخبرين المحليين، إذ إنهم يوحون ما بأنفسهم عن طبيعة عملهم عندما يواجهون الجار الذكي الحصيف وهو يحاورهم في أي شأن(28). مكّنت هذه المحددات وأمثالها الأحزاب المحرومة من حماية القانون من العمل وترويج الأدبيات الممنوعة، وممارسة الأنشطة السياسية بأمان دائم وسرية مطلقة- تحت الأرض- لأشهر طويلة وحتى لسنوات.

يلجأ السوريون كذلك إلى العلاقات والارتباطات الشخصية لحماية أنفسهم وعوائلهم وأصدقائهم من أجهزة المخابرات ومنظوماتها الأمنية. فلقد أخبر بعضهم مراقب الشرق الأوسط كيف أنهم سخّروا الروابط العائلية والعشائرية والزمالة الدراسية السابقة والقائمة لتيسير أمورهم لدى كبار المسؤولين. وبوساطة الالتماسات وعرض أحوالهم من خلال هذه الروابط، فإنهم في بعض الأحيان ينجحون في الحصول على تأشيرة سفر طويل، وعلى تخفيف الرقابة عليهم أو تيسيرها وحتى، أحياناً، يوفقون في إطلاق سراح سجين ما، إلا أن اللجوء إلى مثل هذه الوسائل قد يوقع الناس في شرك وصاية المخابرات عليهم واتكالهم عليها، إذ باستجداء الخدمات منها فإنهم يتنازلون عن بعض استقلاليتهم وكرامتهم، وماذاك إلا واحدة من طرائق المخابرات بكل منظوماتها لغاية استحصال "الرسم الكمركي"! على ما تقدم لهم من خدمات.

التسلط على الدولة والمجتمع

أنظر مقالة تسلط المخابرات على الدولة

واصبح من المعروف ان الامن السياسي بات اخطر جهاز يتواصل ويحتك بالمواطن السوري ولديهم نفوذ قوي وتسلط هائل على المواطن وانقلب هذا التسلط بمرور الزمن ولكثرة الممنوعات والمحرمات والروتين المؤسساتي الذي بات يحيل الكثير الكثير من قراراته المركونة بموافقات الامن السياسي ! وهذا ما جعل افراد وضباط وعتاصر هذا الجهاز يمارسون عمليات استغلال النفوذ والارتشاء وفرض الاتاوات على المواطنين جميعا!. وبات هذا الجهاز اكبر مسيء لسمعة النظام ورأس النظام , كما اصبح وحشا كاسرا قامعا مرعبا للمواطنين كافة! لا يتدخل فقط بالقضايا السياسية !! بل بكل شيء حتى في حياتك الزوجية الداخلية!

أساليب المخابرات في القمع

الترهيب والإنذارات

غالباً ما تستدعي المخابرات الناس، باسم القانون، وتستجوبهم وتوجه لهم التهديدات والإنذارات ومن ثم يتركون وحال سبيلهم. نادراً ما يجلبون الناس، في مثل هذه الحالات، في ظلمات الليل. بل إن بعض السوريين أخبروا مراقب الشرق الأوسط عن المحادثات الدقيقة (المؤدبة) و(الوديّة) التي تستبطنها التهديدات الشرسة، آخرون أفادوا بحصول معاملة أكثر خشونة وقسوة من الرقة والأدب: إذ بعد انتظار ساعات طوال يأتي ضابط ليخبرهم بتفاصيل عن حياتهم الشخصية فيدلل لهم أنهم كانوا تحت المراقبة. ذكر بعضهم أيضاً أن ما يعقب الاستجواب هو الصراخ والتهديد، يتبعهما ضغط باتجاه تزويد المخابرات بالمعلومات، أو بتأييد النظام، أو لتوضيح بعض الأمور التي تركت القائمين على السلطة يشكّون فيهم أو يزدرونهم، بل إن بعضهم الآخر قالوا: لقد تعرضنا إلى الدفع بالركل، دفعاً مؤلماً. وفي الغالب الأعم ينتهي ضابط المخابرات بتوجيه إنذاره السمج: ما لم تغيّروا من الشكوك التي تحيط بكم، فإن السجن سيعصف بكم.

توجه المخابرات آلاف الإنذارات المماثلة لذلك الإنذار كل عام. تذكرّ هذه الطريقة السوريين بأن هناك "خطاً أحمر" من السلوك ينبغي تجنب تجاوزه، وإلا فإن ما بعده لا يؤدي إلا إلى مواجهة مخاطر شخصية كبيرة.

الاعتقالات

تلجأ المخابرات إلى تنفيذ معظم حملات الاعتقال ليلاً، بين الساعة العاشرة مساءً والخامسة فجراً للإمساك بطريدتهم في البيت نائماً معزولاً من كل حماية. وقد أوصلت هذه الاعتقالات الليلية الرعب إلى حده الأقصى، ومازالت، لدى سُكان دار المستهدف وكل الجيران القريبين منه. فيما يأتي رواية مصدر واحد عن اعتقال غير متوقع في ضواحي دمشق:

كنت مستغرقاً في نوم عميق، وفي حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل سمعت طرقاً على الباب، ولما ذهبت تساءلت قبل أن أقوم بفتحه: من الطارق؟ سمعت صوتاً يقول: جار لكم أريد التحدث إليكم. ومن دون تفكير أو تردد فتحت الباب فرأيت عشرة أشخاص تقريباً.. علمت فوراً أنهم من المخابرات، بعضهم كان يتسلح بالأسلحة الأوتوماتيكية، شقوا طريقهم إلى داخل البيت بسرعة ومن غير استئذان، بعضهم قام بتفتيش كل غرفة في البيت، إذ قسموا البيت بينهم يبحثون عن أوراق جرمية ووثائق اتهام، إلا أنهم لم يجدوا شيئاً فقالوا: تعال معنا! نود الحديث إليك. وتركوني أغير ملابسي ثم حشروني في إحدى السيارات ووضعوا فوق عيني «عصابة» ثم ذهبنا أدراجنا معاً(29).

يقلق السوريون الآن تماماً من الطرق على الباب آخر الليل. وقد حصل مؤخراً أن زائراً أجنبياً مـر ببيت أحد أصدقائه السوريين فـي ساعـة مـتأخـرة من الليل، وببـراءة وعفوية طرق على الباب. تعرضت العائلة المصدومة إلى حالة مزرية ومؤذية فجأة، علــى الـرغم من أنها لم تتورط بأي عمل سياسي، إذ إن الأجنـبي النعسان الـواقف خلف الباب لـم يـكن الـذي كـانوا يـتوقعون!

وغالباً ما يعتقل ضابط المخابرات الناس فرادى، إلا أن الاعتقال بأعداد كبيرة يحصل جمعاً بالعشرات وربما المئات من الناس ممن هم في حزب سياسي واحد، أو ممن ينتمون إلى حركة واحدة أو لهم ميل سياسي واحد. فلقد تم اعتقال مجموعة بعثيي صلاح جديد سبع مرات منذ العام 1970، ومجموعة شيوعيي الحزب الشيوعي- المكتب السياسي خمس مرات منذ العام 1980، ومجموعة شيوعيي حزب العمل الشيوعي عشر مرات منذ العام 1977(30).

قامت المخابرات بتنفيذ أكبر حملة اعتقالات لها في أيلول 1987 منذ مطلع الثمانينيات، فقد أسهمت أربعة أجهزة أمنية بإلقاء القبض على الناس المشتبه بهم من ذوي الارتباطات والميول اليسارية، إذ تترك عناصرها في وقت واحد في المراكز الحساسة في عدد من المدن والقصبات بما في ذلك دمشق وحلب وحمص واللاذقية، فأغلقوا منافذ الطرق، وعزلوا المناطق المطلوبة عما جاورها، وأقاموا حواجز على الطرق كافة، وكلّفوا عناصرهم ومخبريهم بمراقبة السيارات ومحطات السكك ومن ثم انطلقوا نحو مهمة الاعتقال الأخيرة والأساسية، فأوقفوا السيارات والتاكسيات والحافلات، وأغاروا على المقاهي والمطاعم ودور السينما والمسارح، وفتح رجال المخابرات النار في الشوارع المزدحمة على أولئك الذين حاولوا الهرب، فجرحوا أناساً أبرياء تصادف مرورهم في هذه الأماكن فضلاً عن أولئك الذين استهدفتهم النيران أصلاً، وفي الأخير تم اعتقال (2000) شخص بعضهم اعتقل بوصفهم رهائن مقابل آخرين، ومئات آخرون احتجزوا مؤقتاً.

في نظام يعوزه الإذن القضائي بالاعتقال ناهيك عن التهم الرسمية أو أي نوع من الإجراءات القانونية فإن عوائل السجناء وأقرانهم وأصدقائهم وجيرانهم لن يستطيعوا الاطمئنان إلى ما يضمره الغيب لهم لدى المخابرات وهم محجوزون لديهم بهذه الطريقة، إنها للحظات عذاب واحتضار عندما يعي السوريون ضعفهم المنهك مقابل سطوة الدولة وجبروتها.


المخابرات السورية وحقوق الإنسان

أدوات شخصية